
مذبحة المماليك بالقلعة تاريخ لا يمحي
د. حاتم العنانى “القاهرة”
باب العزب “بوابة الدماء في القاهرة” أحد أبواب قلعة صلاح الدين الأيوبي تطل على ميدان القلعة وعلى بعد خطوات من عدة مساجد أثرية مثل السلطان حسن والرفاعى والمحمودية وقانباي الرماح وبيت المعمار المصري
شهد باب العزب على مذبحـ.ـة كبري بتخطيط من محمد على باشا بعد أن صار والى على مصر في يوم 9 – 7 – 1805م للقضاء على المماليك عندما علم باتصالات سرية بين بعض أمراء المماليك وخورشيد باشا ضده.
خرج ألف من المماليك بقيادة محمد بك الألفي المدعوم من الإنجليز في محاولة للاستيلاء على الحكم لكن محمد على باشا نصب لهم فخاً ونسبب لهم فى خسائر فادحة وفي النهاية أنسحبوا.
استمر محمد على فى محاربتهم حتى فروا إلى الصعيد لكن محمد بك الألفى استطاع السيطرة على الوجه البحرى، وعرض على محمد على الصلح مقابل تقسيم الحكم لكن محمد على رفض.
ذهب محمد على بجيشه سنة 1810م للصعيد، وهزم المماليك، وانتصر عليهم، ولكى يقضى عليهم، نظم حفلاً ضخماً سنة 1811م داخل القلعة بحجة أنه سيرسل جيش بقيادة ابنه أحمد طوسون باشا في الحرب على الوهابيين، لتحرير الحجاز من الوهابيين للقضاء على حركة محمد بن عبد الوهاب في نجد، وطلب من بكوات المماليك الحضور للاحتفال بحجة تنصيب ابنه طوسون قائداً للجيش الخارج إلى الحجاز، والتشاور معهم فى بعض الأمور على حد قوله،
لم يظن المماليك ظن السوء، ولم يتغلغل الشك إلى قلوبهم لحظة من غدر محمد على باشا، لكنهم أخذوا الأمر محمل الجد، وارتدوا الملابس الرسمية، استعداداً للحفل. وحضروا إلى القلعة في أزهى الملابس والزينة.
كان محمد على قد كلّف لاظوغلي باشا بالتخطيط، والإعداد للمذبحـ.ـة، وبعد إنتهاء الحفل تم توجيه المماليك إلى الممر الصخري الضيق المؤدي إلي باب العزب للخروج من باب العزب إلى خارج القلعة.
عند تقليد الأمير طوسون خلعة القيادة، دعا محمد على المماليك إلى السير في موكب ابنه. وتم الترتيب لجعل مكانهم في وسط الركب، وسار الجميع خلف الموكب للاحتفال، واستُدرِجَ المماليك إلى باب العزب. وما أن وصل المماليك إلى طريق صخري منحدر يؤدي إلى باب العزب المقرر أن تخرج منه الحملة، جاءت اللحظة الحاسمة، وهنا أطلق أحد جنود محمد علي رصاصة فى الهواء كانت بمثابة إشارة البداية للمذبحة، وأغلفت الأبواب فتكدست خيولهم بفعل الانحدار، وخرج الجيش من باب القلعة، أما الحراس الذين كانوا يعطون ظهورهم للمماليك استداروا لهم، وكانت جنود محمد على أعلى الأبراج، وعلى أهبة الاستعداد.
وفجأة، بدأت الجنود فى إطلاق الرصاص على المماليك، وفتح الجنود عليهم وابل سيل من الرصاص، انطلق من الصخور على جانبي الطريق ومن خلفهم يستهدفهم، وساد الهرج والمرج، وتفجر الدم من مماليك مصر، وحاول المماليك الفرار، لكن قُتِل أغلبهم بالرصاص، حتى امتلأ فناء القلعة بالجثث، ومن نجا منهم من الرصاص، ذُبِحَ على أيدي الجنود، راح ضحية تلك المذبحة المعروفة بمذبحة القلعة كل من حضر من المماليك، وعددهم 470 مملوك
داخل باب العزب”ممر مذبحة المماليك”
تم في يوم الجمعة أول مارس عام1811م أبشع عملية اغتيال سياسية في تاريخ مصر، تم غلق الباب وحصار المماليك وهم بكامل عدتهم وزينتهم وانهالت عليهم طلقات البارود من كل جانب من أعلي، ومن يحاول الهروب لا يجد مفراً.
وبعدما ذاع خبر المجزرة إلى عامة الشعب المصري، وأغلق الناس الأسواق وانعدم السير فى الشوارع، ونزل جنود محمد علي إلى شوارع القاهرة يقتلون كل من يقابلهم من المماليك ويغتصبون نسائهم، ويسرقون منازلهم،
وانتقلت عمليات النهب إلى البيوت المجاورة لبيوت المماليك، وظلت الأمور كذلك لمدة ثلاثة أيام قتل فيها ما يقترب من 500 آخرون من أمراء المماليك، واستمرت الحرب، وانتشرت الفوضى في البلاد لمدة ثلاثة أيام في خارج أسوار القلعة إلى أن وصل عدد القتـ.ـلى النهائى نحو 1000من أمراء المماليك، ونُهب خمسمائة بيت، ولم يتوقف السلب والنهب إلا بعد أن اضطر محمد علي باشا إلى النزول بنفسه إلى شوارع مدينة القاهرة، ومعه كبار رجاله وأولاده، وتمكن من السيطرة على جنوده، وإيقاف الفوضى، وإعادة الانضباط، وبقيت دمـ.ـاء القتلى فتره طويلة تغرق المكان واندفعت إلى الطريق المجاور لحين التخلص من آثاره، وبالرغم من أوامر محمد علي للجنود بتنظيف المنطقة إلا أن لون الأرض ظل أحمر من كثرة التصاق الدماء به، ومن أجل ذلك أطلق على الحى المجاور للقلعة حى “الدرب الأحمر”.
وقال الجبرتي فى ذلك:
“لولا نزول الباشا وابنه فى صباح ذلك اليوم لنهب العسكر بقية المدينة وحصل منهم غاية الضرر”
ما زالت تخيم على مكان مذبحة القلعة رائحة الموت شاهداً على ما حدث، ورغم مرور كل هذه السنوات فما زال يشعر كل من يعبر أمامه بالرهبة والإنقباض وكأنه يحتفظ بين أحجاره وزواياه بصرخات المستغيثين من الموت.
وعن موت جميع المماليك الذين حضروا الاحتفالية يقول المؤرخون إن مملوك واحد فقط استطاع الفرار من المذبحة، ونجا بنفسه، ويدعى أمين بك
والرواية المنتشرة في الكتب الأدبية هي أن أمين بك كان في مؤخرة الصفوف فلما شعر ببداية إطلاق النار قرر الفرار إلا أنه لم يكن أمامه سوى سور القلعة، لذلك أخذ فرسه وقفز به من فوق سور القلعة، وسقط به حتى ما إن اقترب من الأرض قفز من فوق حصانه ليتركه يلقى مصيره، حيث مات الجواد من شدة السفوط، وسقط أمين بك مغشياً عليه، وسرق سلاحه ونقوده، وضرب بالسيوف فأصابوه إصابة بليغة فى عنقه، ولكنه لم يمت، وعثر عليه آخرون قاموا بإخفائه، ومعالجته حتى شفى، ولكن لا أحد يعرف مكانه فتعددت الأقاويل حول فراره وهروبه إلى الشام بسوريا، وذهابه إلى السودان، وأسفرت المذبحة موت أكثر من 400 مملوك.
أما جيلبرت سينويه فى كتابه الفرعون الأخير محمد على، أخذ برواية فيتشر التي حكي فيها عن أمين بك الألفى، وقصة نجاته، يؤكد فيتشر أن الألفي غادر قاعة الاستقبال فى القلعة بعد أن انقلب فنجان قهوة على ملابسه، ولما رأى أمين الألفى انقلاب فنجان القهوة على ملابسه، أعتبر ذلك فألاً سيئاً، وقرر الرحيل من القلعة لينجو بحياته، ويؤكد سينويه أن جريدة المرشد المصري حكت رواية أخري ترتبط بهروبه، وذلك من خلال قفزة الحصان التى تعرف فى الأدبيات التاريخية بقفزة المملوك.
كان زعيم المماليك إبراهيم بك في طرة وهرب عقب علمه بالمذبحة إلى السودان.
كان من بين المماليك الشيخ إسماعيل زعلوك عين أعيان دسوق وكبير الحسابين، وقد أصطحبه أحد المماليك معه، وما أن وقعت المذبحة، وأتى جنود محمد على باشا لحصر أسماء المماليك من القتلى، وجدوا جثة الشيخ إسماعيل زعلوك من بينهم، فقال الجنود تروح فين يازعلوك بين الملوك؟ ثم حرفها المصريين بعد ذلك إلى تروح فين ياصعلوك بين الملوك، ويقال أن محمد على باشا بغد أن علم بمقتل إسماعيل زعلوك بين المماليك حتى أمر ببعض العطايا لأسرته وبعض الأفدنة كتعويض.






